ليست كل زيارة لرئيس دولة كبرى إلى القاهرة مجرد زيارة رسمية عابرة، ولا تحمل كل القمم الثنائية الدلالة نفسها؛ فبعض الزيارات تأتي في توقيت يجعلها تتجاوز حدود البروتوكول والمباحثات التقليدية، لتصبح مؤشرًا على تحولات أوسع في طبيعة العلاقات الدولية وموازين الاقتصاد والسياسة.
ومن هذا المنظور، تكتسب الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر أهمية استثنائية، ليس فقط لأنها تأتي بعد نحو عقد كامل من زيارته السابقة للقاهرة في يناير 2016، وإنما لأنها تأتي في لحظة مختلفة تمامًا في مسار العلاقات المصرية الصينية؛ فالشراكة التي كانت آنذاك تنتقل من مرحلة التأسيس إلى مرحلة المشروعات الكبرى، أصبحت اليوم أمام اختبار جديد يتعلق بقدرتها على الانتقال من تنفيذ البنية التحتية إلى تعظيم العائد الاقتصادي، ومن جذب الاستثمار إلى توطين الصناعة، ومن إقامة المشروعات إلى بناء قاعدة إنتاج وتصدير تخدم الاقتصاد المصري والأسواق الإقليمية.
وأعلنت الرئاسة المصرية أن الرئيس شي جين بينج سيقوم بزيارة رسمية إلى مصر خلال الأيام المقبلة، ويلتقي الرئيس عبد الفتاح السيسي لبحث سبل تعزيز علاقات الشراكة الاستراتيجية بين البلدين في مختلف المجالات، إلى جانب تبادل الرؤى بشأن عدد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك. وتأتي الزيارة ضمن جولة للرئيس الصيني تشمل أيضًا قيرغيزستان، حيث يشارك في قمة منظمة شنغهاي للتعاون.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية اللحظة؛ فزيارة 2016 كانت في جوهرها زيارة تأسيس وانطلاق، بينما زيارة 2026 يمكن النظر إليها باعتبارها زيارة تقييم وإعادة تموضع وفتح مرحلة جديدة.
فإذا كان السؤال قبل عشرة أعوام هو: ماذا تستطيع الصين أن تقدم لمصر؟ فإن السؤال الذي ينبغي أن يكون حاضرًا على طاولة القمة المقبلة هو: كيف تستطيع مصر أن تحول الشراكة مع الصين إلى قوة دفع حقيقية للنمو والإنتاج والتصدير ونقل التكنولوجيا؟
عشر سنوات تفصل بين قمتين.. ولكنها تصنع قصة شراكة كاملة
يصعب فهم الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني دون العودة إلى المسار الذي قطعته العلاقات المصرية الصينية خلال السنوات الماضية.
فالعلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وبكين تعود إلى عام 1956، وكانت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية، قبل أن تتطور العلاقات تدريجيًا إلى أن أعلن البلدان في عام 2014 رفع مستوى العلاقات إلى الشراكة الاستراتيجية الشاملة.
ومنذ ذلك التاريخ، تحولت العلاقة من مجرد تعاون سياسي ودبلوماسي إلى شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والاستثمارية والتنموية، شملت البنية التحتية والنقل والطاقة والاتصالات والفضاء والتصنيع والاستثمار والتعليم وغيرها من المجالات.
وكانت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى القاهرة في يناير 2016 إحدى أهم المحطات في هذا التحول؛ إذ استقبله الرئيس عبد الفتاح السيسي، وشهدت الزيارة توقيع مجموعة كبيرة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي غطت مجالات متعددة، بما في ذلك البنية التحتية والكهرباء والنقل والتنمية.
وكانت الرسالة السياسية والاقتصادية للزيارة واضحة: الصين ترى في مصر شريكًا استراتيجيًا محوريًا، ومصر ترى في الصين شريكًا قادرًا على دعم خططها التنموية الكبرى.
وبعد عشر سنوات، يأتي شي جين بينج إلى القاهرة مرة أخرى، لكن المشهد تغير.
فمصر اليوم تمتلك شبكة طرق وموانئ ومناطق صناعية ومدنًا جديدة ومشروعات نقل حديثة، كما توسعت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وأصبحت العلاقات الصينية المصرية أكثر تشعبًا، وانضمت مصر إلى تجمع بريكس، وأصبحت جزءًا من مؤسسات مالية وتنموية مرتبطة بالاقتصادات الناشئة، بينما تطورت الاستثمارات الصينية داخل السوق المصرية.
وبالتالي، فإن الزيارة المقبلة لا تأتي لتبدأ من الصفر، وإنما لتبني على رصيد عقد كامل من التعاون والمشروعات والتفاهمات.
السيسي وشي جين بينج.. علاقة رئاسية تحولت إلى رافعة استراتيجية
أحد أهم مفاتيح فهم التطور الكبير في العلاقات المصرية الصينية هو الدور الذي لعبته الدبلوماسية الرئاسية بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس شي جين بينج.
فالتواصل المباشر بين الرئيسين لم يكن مجرد لقاءات بروتوكولية، وإنما أصبح قناة أساسية لتحديد اتجاهات الشراكة ودفعها إلى مجالات أكثر اتساعًا.
ومنذ رفع مستوى العلاقات إلى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، شهد الرئيسان عددًا كبيرًا من اللقاءات والقمم، سواء في القاهرة أو بكين أو على هامش القمم الدولية.
وكانت زيارة الرئيس السيسي إلى الصين في مايو 2024 محطة مهمة في هذا المسار؛ إذ اتفق الرئيسان على مواصلة تعزيز الشراكة الاستراتيجية الشاملة، وارتبطت تلك المرحلة بإطلاق “عام الشراكة المصرية الصينية” والبرنامج التنفيذي للشراكة الاستراتيجية الشاملة للفترة 2024-2028.
والأهم أن البيان المشترك بين البلدين كشف بوضوح عن انتقال العلاقة إلى مستوى أكثر عمقًا؛ فقد أشاد الرئيسان بالمشاركة الصينية في عدد من المشروعات الاقتصادية الكبرى في مصر، خصوصًا في البنية التحتية والنقل والسكك الحديدية وبناء السفن والإنشاءات والاستثمارات وعلوم الفضاء، ومن بينها حي المال والأعمال بالعاصمة الإدارية الجديدة، والقطار الكهربائي للعاشر من رمضان، والاستثمارات الصينية في منطقة تيدا داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، إلى جانب إطلاق القمر الصناعي المصري “مصر سات-2”.
ومن هنا، فإن العلاقة بين السيسي وشي جين بينج أصبحت تمثل أكثر من مجرد تنسيق سياسي بين رئيسين؛ إنها إحدى القنوات التي ساعدت في تحويل الرؤية السياسية إلى مشروعات اقتصادية فعلية.
زيارة 2026.. ماذا تغير منذ زيارة 2016؟
الفارق الجوهري بين الزيارتين أن الصين التي تستقبلها مصر في 2026 ليست هي الصين التي جاءت إلى القاهرة في 2016، ومصر نفسها تغيرت أيضًا.
في 2016، كانت القاهرة في بداية مرحلة تنفيذ مجموعة ضخمة من المشروعات القومية، وكانت بحاجة إلى شركاء يمتلكون القدرة التمويلية والفنية والتكنولوجية على المشاركة في بناء البنية الأساسية.
أما في 2026، فقد أصبحت أمام مصر شبكة بنية تحتية أكثر تطورًا، وموانئ ومناطق صناعية ومدن جديدة وشبكات نقل، وبالتالي فإن السؤال الاقتصادي أصبح مختلفًا.
ماذا سنفعل بهذه البنية التحتية؟
وهنا يمكن أن تكون زيارة شي جين بينج لحظة انتقال من مرحلة “بناء الأصول” إلى مرحلة “استثمار الأصول”.
فالبنية التحتية في حد ذاتها لا تحقق التنمية المستدامة إذا لم ترتبط بالإنتاج والتصنيع والتصدير.
الطريق لا يخلق قيمة اقتصادية بمجرد إنشائه، وإنما عندما يربط مصنعًا بميناء.
والميناء لا يحقق أقصى عائد ممكن بمجرد وجوده، وإنما عندما يصبح بوابة لحركة التجارة والصناعة.
والمنطقة الصناعية لا تحقق هدفها بمجرد إقامة المصانع، وإنما عندما تنتج سلعًا تنافسية وتوفر فرص العمل وتخفض فاتورة الاستيراد وتزيد الصادرات.
وهنا بالضبط يمكن أن تدخل الصين إلى المرحلة الجديدة من الشراكة المصرية.
البنية التحتية الصينية.. من “التنفيذ” إلى “العائد”
كان التعاون في البنية التحتية أحد أهم أبواب الشراكة المصرية الصينية.
وشاركت الشركات الصينية في مشروعات كبرى في مصر، من بينها حي المال والأعمال في العاصمة الإدارية الجديدة، والقطار الكهربائي للعاشر من رمضان، إلى جانب مشروعات في النقل والسكك الحديدية والإنشاءات وغيرها. وقد وثقت الرئاسة المصرية هذه المشروعات باعتبارها جزءًا من نتائج الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.
لكن المرحلة المقبلة يجب أن تطرح مفهومًا جديدًا للبنية التحتية.
فمصر لا تحتاج فقط إلى المزيد من الطرق والمباني، وإنما تحتاج إلى أن تصبح هذه البنية التحتية محركًا للإنتاج.
فإذا كانت الصين تمتلك خبرة هائلة في بناء شبكات النقل والموانئ والمناطق الصناعية والمدن الذكية، فإن مصر تستطيع توظيف هذه الخبرة في بناء منظومة متكاملة تربط:
المصنع بالميناء، والميناء بالسوق، والسوق بسلاسل الإمداد العالمية.
وهذه المعادلة يمكن أن تمنح مصر ميزة تنافسية كبيرة، خاصة مع موقعها الجغرافي واتفاقيات التجارة التي تربطها بعدد من الأسواق العربية والأفريقية والأوروبية.
المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.. الورقة الأهم على الطاولة
إذا كان هناك ملف واحد يمكن أن يصبح محورًا اقتصاديًا رئيسيًا في زيارة شي جين بينج، فهو المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
فمصر تمتلك ما يمكن اعتباره أحد أهم الأصول الجغرافية في الاقتصاد العالمي: قناة السويس، إلى جانب الموانئ والمناطق الصناعية الممتدة على البحرين الأحمر والمتوسط.
والصين، في المقابل، تمتلك أكبر قاعدة صناعية في العالم تقريبًا، وشركات تبحث بصورة مستمرة عن أسواق جديدة ومراكز إنتاج قريبة من خطوط التجارة العالمية.
وبالتالي، فإن المصالح بين الطرفين تبدو واضحة.
وقد أثبتت منطقة تيدا المصرية الصينية في العين السخنة أن النموذج قابل للتوسع؛ فقد أصبحت المنطقة نقطة جذب للاستثمارات الصينية، واحتضنت عشرات الشركات والمشروعات، وتحولت إلى أحد أبرز نماذج التعاون الصناعي الصيني المصري.
كما شهدت المنطقة خلال السنوات الأخيرة توقيع مشروعات صينية جديدة في مجالات متنوعة، بما يعكس استمرار شهية المستثمرين الصينيين تجاه السوق المصرية.
وفي سبتمبر 2024، أعلنت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس توقيع عقود لستة مشروعات صينية بإجمالي استثمارات يتجاوز مليار دولار، من بينها مشروعات للزجاج والطاقة الشمسية والكيماويات والنشويات وسلاسل توريد الأجهزة المنزلية. ومن بين هذه المشروعات مصنع للزجاج باستثمارات تبلغ 300 مليون دولار يستهدف الأسواق المصرية والأفريقية والشرق أوسطية والأوروبية، ومشروع لإنتاج خلايا شمسية باستثمارات 100 مليون دولار، ومشروع للكيماويات باستثمارات 500 مليون دولار.
وهذه الأرقام تكشف شيئًا بالغ الأهمية:
الشراكة الصينية لم تعد مجرد مشروعات بنية تحتية، وإنما بدأت بالفعل تتحول إلى استثمارات إنتاجية موجهة للأسواق الخارجية.
وهذا هو النموذج الذي ينبغي لمصر أن تدفع به بقوة خلال زيارة شي المقبلة.
من “صنع في الصين” إلى “صنع في مصر”
ربما تكون هذه الجملة هي المفتاح الاقتصادي الأهم للمرحلة المقبلة:
من “صنع في الصين” إلى “صنع في مصر”.
ليس المقصود بطبيعة الحال إقصاء المنتجات الصينية من السوق المصرية، وإنما تحويل مصر إلى قاعدة إنتاجية للشركات الصينية.
فإذا كانت شركة صينية تستطيع أن تنتج سلعة في الصين ثم تشحنها إلى مصر، فلماذا لا تنتجها في مصر، وتستخدم العمالة المصرية، والموانئ المصرية، والبنية التحتية المصرية، ثم تعيد تصديرها من مصر إلى أفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط؟
هنا تتحول مصر من سوق مستقبلة للسلع إلى مركز إنتاج وتصدير.
وتملك مصر مجموعة من المزايا التي تجعل هذه المعادلة ممكنة: الموقع الجغرافي، قناة السويس، الموانئ، المنطقة الاقتصادية، حجم السوق المحلية، العمالة، الاتفاقيات التجارية، وقربها من الأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية.
والصين تستطيع أن تضيف إلى هذه المعادلة التكنولوجيا والخبرة الصناعية وسلاسل الإمداد والقدرة على إنشاء تجمعات صناعية متكاملة.
وبذلك يصبح الهدف الحقيقي هو بناء سلاسل قيمة مصرية صينية مشتركة.
السيارات الكهربائية.. فرصة تتجاوز التجميع
من المجالات التي يمكن أن تمثل نقلة نوعية في الشراكة المصرية الصينية قطاع السيارات الكهربائية.
فالصين أصبحت قوة عالمية كبرى في هذا القطاع، بينما تسعى مصر إلى تطوير صناعة السيارات وتوطين مكوناتها.
وهنا يمكن للزيارة المقبلة أن تفتح الباب أمام استثمارات صينية في تصنيع السيارات الكهربائية ومكوناتها، وليس فقط تجميعها.
فالهدف الأكثر أهمية هو أن تبدأ مصر في إنتاج البطاريات والمكونات والإلكترونيات وأنظمة التحكم وغيرها من الصناعات المغذية.
وكلما زادت نسبة المكون المحلي، ارتفعت القيمة المضافة داخل الاقتصاد المصري.
وهذا النموذج يمكن تطبيقه على صناعات أخرى، بحيث تتحول مصر إلى قاعدة صناعية إقليمية وليس مجرد مركز تجميع.
الطاقة المتجددة.. الصين تستطيع أن تساعد مصر في بناء صناعة كاملة
الطاقة المتجددة تمثل مجالًا آخر يمكن أن يحمل فرصًا ضخمة.
فمصر تمتلك موارد شمسية ورياح كبيرة، والصين تمتلك خبرة واسعة في تصنيع معدات الطاقة المتجددة وسلاسل توريدها.
وهنا يمكن أن تنتقل الشراكة من إقامة محطات للطاقة إلى توطين صناعة مكونات الطاقة المتجددة.
ومن النماذج التي ظهرت بالفعل في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس مشروع إنتاج الزجاج المستخدم في صناعات الطاقة الشمسية، إلى جانب مشروع لإنتاج الخلايا الشمسية، وهي مشروعات تربط الاستثمار الصيني بالصناعة الخضراء وسلاسل القيمة الجديدة.
والأهمية هنا لا تتوقف عند إنتاج الكهرباء.
فإذا نجحت مصر في بناء تجمع صناعي متكامل للطاقة المتجددة، فإنها تستطيع إنتاج مكونات يتم تصديرها إلى الأسواق الأفريقية والعربية، بما يخلق مصدرًا جديدًا للعملة الأجنبية.
الصناعة الخضراء.. نموذج جديد للتعاون
التحول العالمي نحو الاقتصاد الأخضر يفتح كذلك مجالًا واسعًا أمام التعاون المصري الصيني.
وقد شهدت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس اتفاقات لمشروعات صينية في الصناعات الكيميائية الخضراء، من بينها مشروع لمجموعة “بيفار” الصينية باستثمارات معلنة تبلغ 250 مليون دولار في مرحلته الأولى، مع استهداف إنتاج مواد كيميائية تدخل في صناعات متعددة، منها السيارات ومواد البناء والزجاج وغيرها.
وهذه المشروعات تكتسب أهمية لأنها تربط بين ثلاثة أهداف مصرية في وقت واحد:
خفض فاتورة الاستيراد، وتوطين الصناعة، وزيادة الصادرات.
وهي الأهداف التي يجب أن تكون في مقدمة الأولويات الاقتصادية في المرحلة المقبلة.
البنية التحتية للنقل.. كيف تتحول إلى ميزة صناعية؟
التعاون في النقل والسكك الحديدية يمكن أن يحمل عائدًا أكبر بكثير من مجرد تحسين حركة الركاب.
فكل خط نقل جديد يمكن أن يصبح جزءًا من منظومة لوجستية تربط مناطق الإنتاج بالموانئ.
وكل ميناء متطور يمكن أن يصبح بوابة للتصدير.
وكل منطقة صناعية مرتبطة بشبكة نقل فعالة يمكن أن تجذب المزيد من المصانع.
ومن هنا فإن التعاون المصري الصيني في السكك الحديدية والنقل ينبغي أن ينتقل إلى مرحلة جديدة تقوم على التكامل بين النقل والصناعة واللوجستيات.
أي أن يكون هناك تخطيط للمشروعات بحيث تخدم حركة البضائع وليس الأفراد فقط.
وهذا هو الفارق بين البنية التحتية باعتبارها مشروعًا إنشائيًا، والبنية التحتية باعتبارها أداة للنمو الاقتصادي.
العاصمة الإدارية.. من مبانٍ حديثة إلى اقتصاد ذكي
كانت مشاركة الشركات الصينية في حي المال والأعمال بالعاصمة الإدارية الجديدة واحدة من أبرز علامات التعاون في مجال الإنشاءات والبنية التحتية. وقد أشار البيان المصري الصيني لعام 2024 إلى هذا المشروع باعتباره أحد المشروعات الكبرى التي شاركت فيها الصين في مصر.
لكن القيمة المستقبلية للعاصمة لا يجب أن تقاس فقط بحجم المباني التي تم إنشاؤها.
فالفرصة الأكبر تتمثل في تحويل العاصمة إلى مركز للأعمال والمال والتكنولوجيا والخدمات الرقمية.
وهنا يمكن أن تستفيد مصر من الخبرة الصينية في المدن الذكية، والحكومة الرقمية، والمدفوعات الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، وإدارة الطاقة والمياه والنقل.
وبالتالي، فإن التعاون الصيني في هذا المجال يمكن أن يتحول من الإنشاءات إلى نقل نموذج متكامل لإدارة المدن الحديثة.
ماذا تريد مصر من زيارة شي جين بينج؟
هنا يجب أن يكون الموقف المصري واضحًا.
فمصر لا تحتاج إلى اتفاقيات جديدة لمجرد زيادة عدد الاتفاقيات.
الهدف يجب أن يكون جودة الاتفاقيات وتأثيرها المباشر على الاقتصاد المصري.
ومن ثم يمكن أن تركز المفاوضات المصرية على مجموعة من الأولويات.
أولًا: جذب استثمارات صناعية ضخمة
يجب أن تكون الأولوية للمصانع والمشروعات التي تضيف إنتاجًا حقيقيًا للاقتصاد، وليس فقط المشروعات الخدمية.
ثانيًا: زيادة التصنيع المحلي
أي استثمار صيني جديد ينبغي أن يرتبط بخطة واضحة لزيادة المكون المحلي تدريجيًا.
ثالثًا: نقل التكنولوجيا
الأمر لا ينبغي أن يتوقف عند استقدام معدات صينية، وإنما يجب أن يشمل تدريب المهندسين والفنيين المصريين ونقل المعرفة الفنية.
رابعًا: التصدير
ينبغي إعطاء الأولوية للمشروعات القادرة على التصدير، خصوصًا إلى أفريقيا والدول العربية وأوروبا.
خامسًا: ربط الاستثمار الصيني بقناة السويس
بحيث تصبح المنطقة الاقتصادية مركزًا صناعيًا ولوجستيًا للصناعات الصينية الموجهة للأسواق الخارجية.
سادسًا: الصناعات المستقبلية
وفي مقدمتها السيارات الكهربائية، والبطاريات، والطاقة الشمسية، والإلكترونيات، والمعدات الصناعية، والصناعات الكيميائية الخضراء.
سابعًا: دعم الشركات المصرية
فالشراكة الحقيقية لا تعني فقط دخول الشركات الصينية إلى مصر، وإنما دخول الشركات المصرية في سلاسل الإمداد الخاصة بها.
وهذا يعني خلق آلاف الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تنتج المكونات والخدمات لصالح المصانع الكبرى.
فرصة لعلاج اختلال الميزان التجاري
من أكبر التحديات في العلاقات التجارية المصرية الصينية أن حجم التجارة لا يعني بالضرورة تحقيق توازن بين الصادرات والواردات.
وهنا يمكن أن تصبح الاستثمارات الصينية وسيلة لمعالجة جانب من هذه المشكلة.
فإذا تم تصنيع المنتجات داخل مصر، فإن جزءًا من الواردات يمكن استبداله بإنتاج محلي.
وإذا تم توجيه المصانع إلى التصدير، فإن الصادرات المصرية يمكن أن ترتفع.
وهكذا تتحول الاستثمارات الصينية من مجرد تدفق لرأس المال إلى أداة لتعزيز قدرة مصر على الحصول على العملة الأجنبية.
وهذا هو الفارق بين الاستثمار الذي يمول الاقتصاد والاستثمار الذي يعيد تشكيل الاقتصاد.
منطقة تيدا.. النموذج الذي يمكن البناء عليه
تقدم منطقة تيدا المصرية الصينية نموذجًا واضحًا لما يمكن أن تكون عليه المرحلة المقبلة.
فبحسب المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، كانت الاستثمارات في تيدا قد تجاوزت 1.6 مليار دولار، مع وجود عشرات الشركات والمنشآت الصناعية والخدمية، بما يعكس تطور التجمع الصناعي الصيني في منطقة السخنة.
وفي السنوات التالية استمر توسع الاستثمارات الصينية؛ ففي 2025 شهدت المنطقة مشروعات جديدة في صناعة النسيج، من بينها مشروع باستثمارات تقارب 30 مليون دولار، ومشروع آخر باستثمارات تقارب 30 مليون دولار يستهدف إنتاج ألياف بوليستر بطاقة إنتاجية كبيرة، مع توقعات بإيرادات تصديرية سنوية تصل إلى نحو 150 مليون دولار عند التشغيل الكامل وفق ما أعلنته المنطقة الاقتصادية.
كما بدأت أعمال مشروع صيني لإنتاج إطارات السيارات في السخنة باستثمارات تبلغ نحو مليار دولار، مع استهداف بدء تشغيل المرحلة الأولى خلال 2026.
وهذه النماذج تقدم درسًا مهمًا:
الاستثمار الصيني الأكثر فائدة لمصر هو الاستثمار الذي يبني مصنعًا، ويوفر وظائف، ويستخدم الموانئ، ويشتري من الموردين المحليين، ويصدر للخارج.
وهذا هو النموذج الذي يمكن لمصر أن تطلب مضاعفته خلال المرحلة المقبلة.
الصين لا تبحث عن مصر فقط كسوق.. ومصر يجب ألا تتعامل معها كسوق فقط
الصين لديها مصلحة استراتيجية في مصر تتجاوز السوق المصرية.
فمصر تقع في قلب طرق التجارة العالمية، وتمثل قناة السويس أحد أهم الممرات البحرية بين آسيا وأوروبا.
كما أن مصر دولة عربية وأفريقية في الوقت نفسه، وتتمتع بشبكة واسعة من العلاقات التجارية والسياسية مع دول المنطقة.
وبالتالي، فإن الاستثمار في مصر يمنح الشركات الصينية فرصة للوصول إلى مجموعة أوسع من الأسواق.
وهنا يجب على القاهرة أن تستثمر هذه الميزة في التفاوض.
فبدلًا من أن تقول مصر للصين: استثمروا لدينا لأننا نحتاج إلى الاستثمار، يمكن أن تقول:
استثمروا في مصر لأن مصر تمنحكم منصة إنتاج تصل بكم إلى أسواق متعددة.
هذا التحول في الخطاب الاقتصادي مهم جدًا؛ لأنه يجعل مصر شريكًا ذا قيمة استراتيجية، وليس مجرد دولة تبحث عن التمويل.
مصر والصين.. شراكة تتجاوز الاقتصاد
رغم أن الاقتصاد سيكون حاضرًا بقوة في الزيارة المقبلة، فإن العلاقة بين القاهرة وبكين لا يمكن اختزالها في الاستثمار والتجارة.
فهناك تقارب سياسي واضح بين البلدين في عدد من الملفات الدولية، يقوم على احترام السيادة الوطنية، ورفض التدخل في الشؤون الداخلية، ودعم التعددية الدولية، وإعطاء الدول النامية والناشئة مساحة أكبر في النظام العالمي.
كما أن القاهرة وبكين تتشاركان مواقف متقاربة في عدد من القضايا الإقليمية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وضرورة التوصل إلى حل سياسي يضمن إقامة الدولة الفلسطينية، ورفض توسيع نطاق الصراع في المنطقة.
ومن المرجح أن تكون هذه الملفات حاضرة في مباحثات الرئيسين، إلى جانب التطورات في الشرق الأوسط والقضايا الدولية ذات الاهتمام المشترك، وفق ما أعلنته الرئاسة المصرية بشأن أجندة الزيارة.
قناة السويس.. الاقتصاد والجغرافيا والسياسة في نقطة واحدة
ربما تكون قناة السويس هي النقطة التي تختصر معظم أبعاد العلاقة المصرية الصينية.
فمن منظور اقتصادي، هي ممر للتجارة.
ومن منظور استثماري، تقع حولها منطقة اقتصادية وصناعية ضخمة.
ومن منظور جيوسياسي، هي واحدة من أهم نقاط الاختناق في حركة التجارة العالمية.
ومن منظور صيني، تمثل قناة السويس حلقة مهمة في ربط آسيا بأوروبا وأفريقيا.
ومن منظور مصري، تمثل القناة أحد أهم عناصر القوة الاقتصادية والاستراتيجية للدولة.
وبالتالي فإن تطوير التعاون حول قناة السويس لا يجب أن يقتصر على النقل البحري.
بل يجب أن يشمل:
التصنيع، واللوجستيات، والتخزين، وإعادة التصدير، والطاقة، والخدمات البحرية، والصناعات المرتبطة بالنقل، والتكنولوجيا.
وهذا يمكن أن يجعل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس واحدة من أهم حلقات الربط بين الاقتصاد الصيني والأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية.
بريكس.. مساحة جديدة لتوسيع الشراكة
تكتسب زيارة شي أهمية إضافية في ظل عضوية مصر في تجمع بريكس.
فانضمام مصر إلى بريكس، إلى جانب انضمامها إلى بنك التنمية الجديد وعضويتها في البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، يفتح أمام القاهرة مساحات أوسع للتعاون مع الاقتصادات الناشئة. وقد أشار البيان المصري الصيني لعام 2024 إلى هذه المؤسسات باعتبارها جزءًا من تطور التعاون الاقتصادي متعدد الأطراف بين البلدين.
ومن هنا يمكن أن تستفيد مصر من علاقتها مع الصين ليس فقط على المستوى الثنائي، وإنما داخل المؤسسات والتجمعات الدولية التي تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي.
وهذا يمنح القاهرة مساحة أكبر لتنويع مصادر التمويل والاستثمار وتعزيز علاقاتها مع الأسواق الناشئة.
زيارة 2026.. اختبار حقيقي لنضج الشراكة
بعد عشر سنوات من زيارة شي جين بينج السابقة إلى القاهرة، يمكن القول إن العلاقات المصرية الصينية وصلت إلى مرحلة نضج مختلفة.
فلم يعد المطلوب إثبات أن البلدين قادران على التعاون.
لقد تم إثبات ذلك بالفعل.
ولم يعد المطلوب إثبات أن الشركات الصينية تستطيع تنفيذ مشروعات كبرى في مصر.
فهذا حدث بالفعل.
ولم يعد المطلوب إثبات أن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس قادرة على جذب الاستثمار الصيني.
فالأرقام والمشروعات القائمة تقدم نموذجًا واضحًا على ذلك.
السؤال الجديد هو:
هل تستطيع مصر والصين الانتقال إلى المرحلة التالية؟
مرحلة تصبح فيها الشراكة أداة لخلق قيمة مضافة مستدامة داخل الاقتصاد المصري.
مرحلة لا يكون فيها المصنع الصيني مجرد مصنع يعمل في مصر، وإنما جزءًا من منظومة صناعية مصرية.
ولا تكون فيها البنية التحتية مجرد مشروعات تم تنفيذها، وإنما أصولًا اقتصادية تولد الإنتاج والتجارة.
ولا تكون فيها قناة السويس مجرد ممر للسفن، وإنما مركزًا للتصنيع والخدمات اللوجستية والتصدير.
ولا تكون فيها الاستثمارات الصينية مجرد أرقام في البيانات، وإنما وظائف وتكنولوجيا وصادرات وعملة أجنبية.
من زيارة تاريخية إلى شراكة تاريخية
إن عودة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى القاهرة بعد نحو عشر سنوات تحمل في حد ذاتها رسالة سياسية مهمة.
فالصين لا تأتي إلى مصر باعتبارها شريكًا عابرًا، ومصر لا تستقبل الصين باعتبارها مجرد مستثمر.
العلاقة أصبحت أعمق من ذلك بكثير.
هناك توافق سياسي، ومصالح اقتصادية، ومشروعات بنية تحتية، وتعاون في النقل والطاقة والفضاء والصناعة، وتنسيق داخل المؤسسات متعددة الأطراف، وتعاون في منطقة قناة السويس، ورؤية مشتركة تجاه عدد من الملفات الدولية.
لكن قوة هذه الشراكة في السنوات المقبلة ستتوقف على قدرة البلدين على تطوير نموذج جديد للتعاون.
الصين لديها التكنولوجيا والخبرة الصناعية وسلاسل الإمداد والقدرة على الاستثمار.
ومصر لديها الموقع الجغرافي، وقناة السويس، والموانئ، والسوق، والعمالة، والمنطقة الاقتصادية، والامتداد العربي والأفريقي، وشبكة من اتفاقيات التجارة.
وإذا اجتمعت هذه المزايا في نموذج اقتصادي واحد، فإن النتيجة يمكن أن تتجاوز حدود العلاقات الثنائية.
يمكن أن تصبح مصر قاعدة إنتاج صينية ـ مصرية موجهة إلى الأسواق الإقليمية.
وهنا تكمن الفرصة الحقيقية التي يجب أن تلتقطها القاهرة من زيارة شي جين بينج.
الخلاصة.. ماذا ينبغي أن تعود به مصر من زيارة شي؟
في النهاية، لن تكون القيمة الحقيقية لزيارة الرئيس الصيني إلى مصر في عدد الاتفاقيات التي ستوقع، ولا في عدد البيانات التي ستصدر، وإنما في نوعية النتائج التي ستبقى بعد انتهاء الزيارة.
مصر تحتاج من الشراكة الصينية إلى أكثر من التمويل.
تحتاج إلى استثمارات إنتاجية.
وتحتاج إلى أكثر من المصانع.
تحتاج إلى توطين الصناعة.
وتحتاج إلى أكثر من التكنولوجيا.
تحتاج إلى نقل المعرفة وتدريب الكوادر المصرية.
وتحتاج إلى أكثر من الإنتاج المحلي.
تحتاج إلى التصدير.
وتحتاج إلى أكثر من البنية التحتية.
تحتاج إلى تشغيل هذه البنية infrastructure اقتصاديًا بحيث تصبح الطرق والموانئ والسكك الحديدية والمناطق الصناعية أدوات لزيادة الإنتاج والتجارة.
ولهذا فإن الرسالة الأهم التي يمكن أن تحملها زيارة شي جين بينج إلى القاهرة في 2026 هي أن العلاقة المصرية الصينية تدخل مرحلة جديدة؛ مرحلة لا يكون عنوانها فقط “البنية التحتية”، وإنما “البنية الاقتصادية”.
فزيارة 2016 فتحت الباب أمام المشروعات الكبرى.
أما زيارة 2026، ففرصتها أن تفتح الباب أمام اقتصاد أكثر إنتاجًا وتصديرًا وتوطينًا للتكنولوجيا.
وإذا نجحت مصر في تحويل الاستثمارات الصينية إلى صناعات تصديرية، وربطها بقناة السويس والمنطقة الاقتصادية والموانئ والأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية، فإنها لن تكون فقط قد جذبت استثمارات جديدة، بل ستكون قد أعادت تعريف وظيفة هذه الاستثمارات داخل الاقتصاد الوطني.
عندها يمكن أن تتحول الشراكة المصرية الصينية من مجرد نموذج ناجح للعلاقات بين دولتين إلى نموذج للتنمية المشتركة.
نموذج يقوم على معادلة واضحة:
رأس مال وتكنولوجيا صينية + موقع وبنية تحتية وسوق مصرية + عمالة وصناعة محلية + قناة السويس + أسواق أفريقيا والعالم العربي وأوروبا = منصة إنتاج وتصدير قادرة على إعادة صياغة موقع مصر في الاقتصاد العالمي.
وهنا تحديدًا يمكن أن تصبح زيارة شي جين بينج إلى القاهرة أكثر من مجرد عودة لرئيس صيني إلى مصر بعد عقد من الغياب.
يمكن أن تصبح بداية لعقد اقتصادي جديد بين القاهرة وبكين؛ عقد تنتقل فيه العلاقة من بناء المشروعات إلى بناء القدرة الإنتاجية، ومن تنفيذ البنية التحتية إلى استثمارها، ومن جذب الاستثمارات إلى تعظيم عوائدها، ومن التعامل مع الصين باعتبارها مصدرًا للسلع ورأس المال إلى التعامل معها باعتبارها شريكًا في صناعة وتصدير المستقبل من مصر إلى العالم.
فالمعادلة لم تعد: ماذا ستقدم الصين لمصر؟
بل أصبحت:
ماذا تستطيع مصر أن تبني مع الصين؟
